محمد جمال الدين القاسمي

71

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

بيع زوجها . حيث قال بعد ذلك : وروى عوف عن الحسن بيع الأمة طلاقها وبيعه طلاقها . فهذا قول هؤلاء من السلف . وحجتهم عموم الاستثناء في قوله تعالى : إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ والجمهور على أن بيع الأمة ليس طلاقها لها . واحتجوا بحديث بريرة المخرّج في الصحيحين « 1 » وغيرهما . فإن عائشة أم المؤمنين اشترتها وأعتقتها ولم ينفسخ نكاحها من زوجها مغيث . بل خيرها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بين الفسخ والبقاء ، فاختارت الفسخ ، وقصتها مشهورة . فلو كان بيع الأمة طلاقها لما خيرت . وتخييرها دال على أن المراد من الآية المسبيات فقط . وبالجملة ، فالجمهور قصروا الآية على السبب الذي نزلت فيه . قال الرازيّ : وهو يرجع إلى تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد . أي وهو مقبول ومعمول به في غير ما موضع . كنصاب السرقة . وفي التنبيه الآتي زيادة لهذا فتأثره . فائدة : اتفق القراء على فتح الصاد في الْمُحْصَناتُ هنا . ويقرأ بالفتح والكسر في غير هذا الموضع . وكلاهما مشهور . فالفتح على أنهن أحصنّ بالأزواج أو بالإسلام . والكسر على أنهن أحصن فروجهن أو أزواجهن . واشتقاق الكلمة من الإحصان وهو المنع كِتابَ اللَّهِ مصدر مؤكد . أي كتب اللّه عَلَيْكُمْ تحريم هؤلاء كتابا وفرضه فرضا ، فالزموا كتابه ولا تخرجوا عن حدوده وشرعه وَأُحِلَّ لَكُمْ عطف على حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ إشارة إلى ما ذكر من المحرمات المعدودة . أي أحل لكم نكاح ما سواهن أَنْ تَبْتَغُوا مفعول له . أي أحل لكم إرادة أن تبتغوا . أو بدل من ( ما ) أي ابتغاء النساء بِأَمْوالِكُمْ أي يصرفها إلى مهورهن مُحْصِنِينَ حال من فاعل ( تبتغوا ) والإحصان : العفة ، وتحصين النفس عن الوقوع فيما يوجب اللوم غَيْرَ مُسافِحِينَ غير زانين ، والسفاح الزنى والفجور . من السفح وهو الصبّ . لأنه لا غرض للزاني إلّا سفح النطفة . وكان أهل الجاهلية ، إذا خطب الرجل المرأة ، قال : انكحيني . فإذا أراد الزنى قال : سافحيني . قال الزجاج : المسافحة أن تقيم امرأة مع رجل على الفجور من غير تزويج صحيح .

--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : الفرائض ، 22 - باب إذا أسلم على يديه الرجل ، حديث 302 ونصه : عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : اشتريت بريرة . فاشترط أهلها ولاءها . فذكرت ذلك للنبيّ صلى اللّه عليه وسلم فقال « أعتقيها فإن الولاء لمن أعطى الورق » . قالت : فأعتقتها . قالت فدعاها رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فخيّرها في زوجها ، فقالت : لو أعطاني كذا وكذا ما بت عنده . فاختارت نفسها .